أنتمي للجموع وأسير مفرداً

>> بالسويدية (svenska)

وفائي ليلا، شاعر سوري مغترب، انتقل من غربة إلى غربة، وبقي كما هو، في نرجسيته كشاعر، في موقفه كإنسان، في بساطته ككاتب، ينأى بنفسه وكلماته عن الصنعة والتكلف، بعد ثمانية دواوين شعرية وصل إلى السويد، وقد أمضى هنا ديوانين من الزمن مع ترجمتهما إلى السويدية، وتجربة مميزة في الحياة الثقافية السويدية، شاعر مثابر وعنيد ومنفتح على التجارب الجديدة وكل قيم الحرية والسلام.. مقبل على تجارب جديدة بروح مغامرة، وكأنها شبعت ذعراً فلم تعد تخاف شيئاً.
وفائي أمام أسئلة تتعلق بيومه وغده، لأنه شخص لا يتباهى بما أنجز، إنما ينشغل بما سينجزه.

تنقلت في بلدان كثيرة، ما المختلف في السويد؟ وما تأثير الأمكنة على الكتابة الإبداعية؟

حضور الطبيعة أولاً وبشكل استثنائي، أعادتني إلى شيء من الريف الذي عشته في الطفولة في غوطة دمشق. رائحة التراب والهواء الذي تتنفسه الاشجار العالية والطيور
الألوان هنا مبهرة، يكاد المرء يصعق لشدة جمالها في الخريف تحديداً وفي كل وقت
المدن أيضا سحرتني، خبرت ثلاث مدن على الأقل خلال وقت قصير
أعشق نوافذ بيتي والتي تطل على غابة في ” كاتريناهولم “وبالقرب مني بحيرة ساحرة اظنها دمع الله الذي يتجمع طوال الوقت. الان وأيضاً أتوق لشوارع وكافيهات استوكهولم ورائحة القهوة الدائمة هناك وحركة الناس. من الجيد أنني على مقربة من العاصمة التي أحببت، الأنهار التي تحيط في العاصمة التي ظننتها تطفو بخفة على مخدات من الماء والضوء، البجع الملكي الأنيق الذي يتجول في الجوار يكمل المشهد
أحب المدن القديمة كما صادفت في كل من نورشوبنغ واستوكهولم، أظنني وقعت في غرام هذه البلاد
السويد كبلد مريح، ثقافة الناس تحترم الاختلاف، لم اصادف ما يسيء لي كلاجئ، القوانين صممت للبشر بكل ذكاء وحذق، المكان آمن بالنهاية نحن هنا بحقوق كاملة رغم كل فزعنا من المجهول.

بين الخاص والعام، ما المعادلة التي تحول التجربة الخاصة إلى شأن عام؟

أحب هذا السؤال، الشاعر أولاً وأخيرًا هو ذات، ذات متضخمة وتريد ان تثبت نفسها طوال الوقت، ذات متفردة لا تريد من الجموع والأحكام المسبقة ان تلتهمها وتريد أيضاً ان تكتشف وتعرف بعيدًا عن السائد والمتفق عليه وهذا ما يجعل عملها شاقًا ومنهكًا لكنه الطريق الوحيد بالنهاية، العام في تجربة الشاعر يتبدى من خلال غرقه في الخاص، وفهمه له وتفكيكه أو محاولة الاقتراب منه، والصدق هو الذي يعطي للتجربة مصداقية وقيمة بالنهاية العمل الأدبي أو الابداعي ينطلق من الذات قطعًا ويلامس الموضوع لأنه جزء منه، ولكنه لا يقبل ان يكون موظفًا عنده أو صوتًا أو بوقًا يتحدث باسمه.
ارتعاش وتعثر وخوف الكاتب، تردده وحزنه وعدميته وربما تفاؤله هو نتاج تجربته الشخصية المحضة، حين يلامس الكاتب نفسه جيدًا يلامس الجميع، يصبح جريئاً ومتحدثًا باسم الكل مع انه لم يعني سواه
أظن هنالك معادلة ذهبية دقيقة يتقنها المبدع كي لا يكون منغلقًا عليه، وأيضاً مختنقًا به. وطن الشاعر مثلًا هو نفسه، كيانه … ولكنه يعنيه وطن الناس، وقد يحدث ان يقاتل من أجل ذلك، ليعود إليه وحيدًا ومفردا وبلا ملاذ سوى تقلباته وتناقضاته الخاصة، لذلك “أنتمي للجموع وأسير مفرداً “كما يقول أحدهم.

كان لك تجارب مختلفة في السويد في الخروج من النسق التقليدي في عرض القصيدة للقارئ، هل تعتبرها اضافة مهمة في الراهن؟

نعم أزعم أني شاب جداً رغم كهولة واضحة، أحب الاستفادة من التكنولوجيا وأيضاً من الطرق المتاحة لإيصال ما أريد ، نصوصي هي ما قادني إلى مسرحة النص إذا صح التعبير، إنها سيناريوهات لحكاية تتصل وتنفصل ولكن تحمل الكثير من الدراما، ولابد ان يتوافر معادل لكل ذاك الانفعال، لاحظ ذلك بعض القيمين على الثقافة هنا، وخلقوا فرصة لمسرح شعري مع أصدقاء آخرين وكانت تجربة “مدن الحب والخوف” كمسرح، وتجربة أخرى فردية مع شاعرة سويدية حيث مسرحنا نصوصنا وأديناها في عرض قصير وقدمناها سوية
وأيضا مع الاستفادة من الموسيقا والتجربة مع العازف فادي القطيني التي أثمرت نصا مؤثرًا في عروض نتجول فيها في مدن مختلفة
أظنه لولا كورونا كنا سنجرب سوية أنا ومخرجة سويدية الرقص الإيمائي مع النص الشعري وربما نعود إليه فيما لو تغيرت الظروف الراهنة.

هذا ناهيك عن تلحين نص في كاتريناهولم من قبل فنانة سويدية وتقديمه أوبراليا، وهو أمر مدهش للغاية وأضاف لي.

اللغة البسيطة من منظور ذاتي تغلب على قصائدك، هل هو مجرد اسلوب، ام حاجة ذاتية أقرب إلى البوح؟

اللغة اختيار مناسب لروح العصر ولروحي التي تحدثت عنها والتي تعشق الحداثة، لا أميل للكلام المزخرف الفارغ أحب ان أذهب إلى الاشياء مباشرة وأيضاً أظن ان المبالغة بالمجاز وافتعال الحالة تقتل الشعر وتزّيف التجربة
أكتب مثلما أفكر ولا أظن نصي سطحيًا ولو كان يشي أنه بسيط، أظنني أميل لتعريف أحدهم: “الشعر ان نقول الاشياء المعقدة بلغة بسيطة “. وأظنني أحب ذلك وربما امتاز به

اللغة ذاكرة وتذوق واحساس، برأيك استطاعت ترجمة نصوصك تحقيق استجابة مماثلة من المتلقي السويدي، كمثال؟

لا اعرف مكانتي لدى السويديين لكني اتصور أن مترجمي نقل روح البساطة والمعنى في نصوصي، وهذا ما جعل للنصوص حضورا لافتًا ربما. من يتقن اللغتين يقول ان الأمر كان جيدًا

هل تفكر في المتلقي أم تشغلك عنه هموم القصيدة؟

نصوصي المهمة غالبا ملوثة بي حتى الاقصى، هي أنا بكل استطالات الروح وهيجانات المشاعر. غالبا أغرق بي وانقّب عني وأدور حولي مثل حيوان جريح يبحث عن ملاذ، النص يشفيني لأنه يقتص ويقول كلمتي على هذه الأرض.

عبرت بشكل صادق ومدهش عن المهاجرين واللاجئين، هل هم مشروعك الشعري، أم إنك لست ملتزما بالضرورة، هل هناك اتجاه آخر تفكر به؟

شكرا لإطرائك ان كنت فعلاً قد فعلت ما تحدثت عنه، لم أفكر باللاجئين ولكن لأنني لاجئ كتبت عني فلمستهم كلهم، كنت خائفاً ومذعوراً وكل الاشياء حولي تخيفني وتثير هلعي وشكوكي كقادم جديد.
في النص أنا أمين لي، ولأننا بشر فنحن نتشابه،
أنا سعيد أني قلت سواي، ولا شك أيضاً تحركني فلسفتي في الحياة التي تحلم بالحرية والخير والسلام ورفض العنف والذل واحتقار الكائن لسب ما له علاقة بثقافة أو لون او مرجعية، أوميل ما، لا يروق لبعضهم.

أكتب بكل الاتجاهات وفيما يثير انتباهي وأغير الموضوعات وفق ما أعيش واصادف وأجرب، ألجأ الآن إلى السينما، أريد ان أصور جزء مما أفكر به، ولي تجارب ليست قوية حتى الآن ولكني عنيد، آمل ان أحقق شيئاً في هذا المجال الرائع.

>> اقرأ أكثر (mer på arabiska)

Abdulwahed Alwani

Författare, förläggare, översättare och journalist sedan 1983, med ett förflutet i hemlandet Syrien och därefter Saudiarabien. Över 30 böcker och bokserier i bagaget – allt från pekböcker, via lyrik och fabler till politiska debattböcker.